ابن حزم

69

رسائل ابن حزم الأندلسي

الباطل والفضول ، لا من طريق الحق والفضائل ، ولا يظنّ ظان أن هذا علم جهلناه فذممناه ، فقد علم من داخلنا أو بلغه أمرنا كيف توسّعنا في رواية الأشعار ، وكيف تمكنا من الإشراف على معانيها ، وكيف وقوفنا على أفانين الشعر ومحاسنه ، ومعانيه وأقسامه ، وكيف قوّتنا على صناعته ، وكيف تأتّى مقصّده ومقطوعه لنا ، وكيف سهولة نظمه علينا في الإطالة فيه والتقصير « 1 » ، ولكن الحقّ أولى بما قيل . فإذا بلغ المرء من النحو واللغة إلى الحدّ الذي ذكرنا فلينتقل إلى علم العدد ، فليحكم الضرب والقسم والجمع والطرح والتسمية ، وليأخذ طرفا من المساحة ، وليشرف على الأرثماطيقي - وهو علم طبيعة العدد - وليقرأ كتاب أقليدس قراءة متفهم له ، واقف على أغراضه ، عارف بمعانيه ، فإنه علم رفيع ، به يتوصّل إلى معرفة نصبة الأرض ومساحتها وتركيب الأفلاك ودورانها ومراكزها وأبعادها ، والوقوف على براهين كل ذلك وعلى دوران الكواكب وقطعها في البروج ، فهذا علم رفيع جدا يقف به المرء على حقيقة تناهي جرم العالم وعلى آثار صنعة الباري في العالم ، فلا يبقى له إلا مشاهدة الصانع فقط ؛ وأما الصنعة والإدارة والتركيب ، فقد شاهد كلّ ذلك بوقوفه على ما ذكرنا . وبمطالعته كتاب المجسطي يعرف الكسوفات وعروض البلاد وأطوالها والأوقات وزيادة الليل والنهار والمدّ والجزر ومنازل الشمس والقمر والدراري . وأما الإيغال في المساحة فمنفعته في جلب المياه ورفع الأثقال وهندسة البناء وإقامة الآلات الحكمية . وأما الاشتغال بأحكام النجوم فلا معنى له ، ولا يخلو من أن يكون ما يحكون من قضاياها حقا أو باطلا ، إذ لا سبيل إلى قسم ثالث ، فإن كانت حقا فما لها فائدة إلا استعجال الهمّ والغم والبؤس والنكد ، لتوقع المرض والنكبات وموت الأحبة وانقطاع كمية العمر ومعرفة فساد المولد . فإن قالوا إنه قد يمكن دفع ما يتوقع من ذلك فقد قضوا بأنها لا حقيقة لها ، إذ الحقّ الحتم لا سبيل إلى ردّه . وإن كانت باطلا

--> ( 1 ) بذلك شهد الحميدي تلميذ ابن حزم ( الجذوة : 291 ) حين قال : وكان له في الآداب والشعر نفس واسع وباع طويل ، وما رأيت من يقول الشعر على البديهة أسرع منه ، وشعره « كثير » .